أرباب الثقافة، في نهايات الألف الثانية مسؤولون مسؤولية أولى أمام العامةوالخاصة عن تغيير الواقع الذي فسد كثيراً، وعن استعادة طائر الحرية الذي غاب، وعن رتق الشروخ في المكان وردم الهوى السحيقات في الأنفس، وعن إشعال الخطاب المجتعي المقاوم لكل حالات الإنكسار والهذيان والهزائم التي يقرّ المجمع بأنها كانت تركة السلطات السياسية والزعامات الحاكمة خلال العقود الماضية. هم مسؤولون عن إيجاد الأجوبة لكل الأسئلة العالقة منذ مطالع القرن، مسؤولون لأن الشعوب ترى في المثقف حالة رسولية وجدت لتشكل "لا" الرفض في وجه الطاطأة المعممّة، والخضوع القطيعي للأمر الواقع.والشعوب ترى في مثقفيها شعراء ومفكرين وفنّانين وسواهم، فسحات أمل وخشبات خلاص، لأنها تعتقد بالوحي المنــزل، ولا ترى فوارق كبيرة بين المثقف وبين الرسل والصديقين.هذا ما تراه الشعوب،.. لكن هل يتحمل المثقفون وهم على مشارف الألف الثالثة مسؤولياتهم الفعلية؟.. ثمة فئة توظف حنجرتها في بلاط الحاكم، وفئة أخرى توظف حنجرتها في محاربة الفئة الأولى وفئة ثالثة بلا لون ولا رائحة،.. تدعي الحيادية ،وفئة تنتقل بسهولة ما بين الفئتين. لم تعد الدول الكبرى تكلّف نفسها عناء إرسال الجيوش والعتاد لاحتلال الأراضي، ثمة وسيلة أخرى لاحتلال يمارس على الاخرين بشكل مهذب لا يحتاج إلى دمار وضحايا. ثمة احتلال إعلامي عالمي .. أليس الإعلام اليوم وهو السلطة الأقوى، حين تفرغ الشعوب من ثقافاتها، ويُحيد مثقفوها، فلا يتقنون إلا شهادة الزور.. العالم العربي اليوم، ساحة مفتوحة للإعلام الغربي وادواته ووسائله وأهدافه.. لم تعد القلاع الحجرية كافية لرد الهجمة المعاصرة.. فالفضاء المثقل بالبدائل، يتقن جيداً التسرب إلى كل الأماكن والأحياء والبيوت.. والعقول التي لم تحصّن نفسها بالإنتماء إلى حقيقة الأرض،.. يسهل احتلالها من قبل الآخر ووسائله الحديثة. المثقفون آخر قلاعنا،.. لكنهم في غفلة منا،.. تسرّبوا إلى الفضاء وعادوا إلينا على أثير الاستسلام للأمر الواقع.تورّطوا بالتلوث وورّطونــا !.
الاحد, 19 فبراير, 2006
<<الصفحة الرئيسية


